الشنقيطي
185
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ثم قال : وقد صرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر ، وذكر أول الباب ، اعلم أن الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع ، فحكي الإجماع على وجوبها وجهل من نسب إلى مذهبهم القول بعدم فرضيتها ، وهذه أيضا حقيقة مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ، وأنها عند أصحابه آكد من الظهر . أما الحنابلة . فقال في المغني ما نصه : الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع ، وساق الآية إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الآية ، وقال بعدها : فصل : وتجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا أو عدلا أو فاسقا ، نص عليه أحمد ، وهذا أعم وأشمل . حتى مع الإمام غير العادل وغير السني . فهذه نصوص المذاهب الأربعة في وجوب الجمعة وفرضها على الأعيان . فلم يبق لأحد بعد ذلك أدنى شبهة يلتمسها من أي مذهب ، ولا تتبع شواذه للتهاون بفرض الجمعة لنيابة الظهر عنها . ثم اعلم أن في الآية قرينة على هذا الوجوب وأنه لا صارف للأمر عن وجوب السعي إليها ، وذلك أن مع الأمر بالسعي إليها الأمر بترك البيع والنهي عنه ، وإذا كان ترك البيع واجبا من أجلها فما وجب هو من أجله كان وجوبه هو أولى ، قال في المغني : فأمر بالسعي ، ويقتضي الأمر الوجوب ولا يجب السعي إلا إلى الواجب ، ونهي عن البيع لئلا يشغل به عنها ، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها ، وهو واضح كما ترى والأحاديث في الوعيد لتاركها بدون عذر مشهورة تؤكد هذا الوجوب . من ذلك حديث أبي الجعد ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع اللّه عليه قلبه » رواه أبو داود ، وسكت عنه . وفي المنتقى ، قال : رواه الخمسة « 1 » أي ما عدا البخاري ومسلما ، وفي المنتقى عن أبي هريرة وابن عمر رضي اللّه عنهما سمعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول على أعواد منبره : « لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن اللّه على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين » رواه مسلم « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه : أبو داود في الصلاة حديث 1052 ، والترمذي في الصلاة حديث 500 ، والنسائي في الجمعة ، باب التشديد في التخلف عن الجمعة ، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها حديث 1125 ، وأحمد في المسند 3 / 424 ، 425 . ( 2 ) كتاب الجمعة حديث 40 .